أيُّنا لم يَظلِمْ نَفسَه؟

Home – Single Post

الشيخ غازي العرماني

الشيخ غازي العرماني طالب علم شرعي، تلقّى تعليمه في القسم الشرعي ثم في كلية الشريعة، واهتم منذ وقت مبكر بالقراءة والاطلاع في الكتب العلمية. عُرف بعنايته بالتأصيل العلمي وكثرة التأليف، إذ له مئات المؤلفات والرسائل التي تدور حول بيان العقيدة الصحيحة، ونشر التوحيد والسنة، والرد على الشبهات الفكرية، بأسلوب واضح وميسر يهدف إلى نشر العلم النافع، وخدمة الدين، وتعزيز الوعي الشرعي والفكري في المجتمع.

 

المقالات الأخيره

( أيُّنا لم يَظلِمْ نَفسَه؟ )

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أما بعد:
فقد روى جمع من الصحابة رضي اللهُ عنهم منهم أبوهريرة وأنس بن مالك وعوف بن مالك رضوان الله عليهم ان رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قال : (سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ).
قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟
قَالَ: ( الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ).
أخرجه الامام أحمد رحمه اللهُ في مسنده ( ٧٩١٢ )وابن ماجه رحمه اللهُ تعالى في سننه ( ٤٠٣٦ ) والحاكم رحمه اللهُ تعالى فى مستدركه ( ٨٤٣٩ )
وصححه الامام الالباني رحمه اللهُ تعالى في السلسلة الصحيحة ( ١٨٨٧ )وفي صحيح سنن ابن ماجه رحمه اللهُ تعالى ( ٣٢٧٧ )وفي صحيح الجامع ( ٣٦٥٠ ).
وهذا حدث في هذا العصر فمن اطلّع على ما ينشر من مكتوب ومسموع ومرأي يجد ان هذا النوع من الرويبضة وهم شياطين في جثمان انس يتحدثون الاخطاء والمعاصي التي تقع من اناس من امة محمد صلى الله عليه وسلم او يتحدثون عن الأزمات المالية وارتفاع الأسعار وغلا السلع او اي خطأ من الفرد او المجتمع فينسبون سبب وقوعها او مصدرها الي حكامهم او المسؤول الفلاني ثم يظهرون انفسهم علنا انهم هم الأتقياء الأنقياء المخلصين الأمم وانهم دواء مرض المجتمعات وان كلامهم شفاء لها ولو عرضنا هذه الأمور التي يدندون بها وامراض الشبهات والشهوات التي يذكرونها على الشرع الحنيف من أدلة نقلية او براهين عقلية لوجدنا فساد قولهم وبطلان طريقتهم وتفنيد إيراداتهم المشبوهة ومصادمتها للشرع ومضادته للعقل بينة واضحة وذلك في أمور منها على سبيل الحصر لا التمثيل :
اولا :
جهلهم في دين الاسلام وذلك في كيفية معالجة هذه الظواهر التي يزعمون حدوثها في وقاحة وقلة أدب وعنجهية وإلقاء اللوم على من جعله الله وليا للأمر لهم ومن المعلوم بداهة أن من الفرائض الشرعية وجوب حسن التعامل وطيب الخلق مع ولي الأمر وفريضة السمع والطاعة له بالمعروف والنصح له والدعاء له بالخير والصلاح وسلامة الصدر تجاهه وفي قوله تعالى وتقدس:{فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}[طه : ٤٤ ]ف”هذه الآية فيها عبرة عظيمة ، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار ، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك ، ومع هذا أمر ألا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين “والحاصل ان التعامل الشرعي
ان يكون ” بكلام رقيق لين قريب سهل ، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع ، كما قال تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن {الآية [ النحل : ١٢٥ ] .[ من كلام الامام ابن كثير رحمه اللهُ تعالى في تفسيره لهذه الآية الكريمة بتصرف يسير].
ومن اسلوبهم الحلف الجاف تعلم يقينا عدم معرفتهم للسنة الثابتة عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في كيفية المناصحة الشرعية الصحيحة لولاة الأمر سرا كما اخبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله : ( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ ‌لِذِي ‌سُلْطَانٍ فَلَا يُبْدِهِ عَلَانِيَةً، وَلَكِنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيَخْلُوا بِهِ، فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ )رواه الصحابي الجليل عياض بن غنم رضي اللهُ عنه وأخرجه الامام أحمد رحمه اللهُ تعالى في المسند ( ٢٤ / ٤٨ ) وابن أبي عاصم رحمه الله في السنة ( ٢ / ٥٢١ ) والطبراني رحمه الله تعالى في مسند الشاميين( ٩٧٧ )و أبوعبيد رحمه اللهُ تعالى في الأموال ( ١١٣ ) وأبو نعيم رحمه اللهُ تعالى في معرفة الصحابةرضوان الله عليهم.وابن عدي رحمه اللهُ تعالى في الكامل ( ٦ / ٢٨٢ ) .
وصححه الامام الألباني رحمه اللهُ تعالى في ظلال الجنة في تخريج كتاب السنة لابن ابي عاصم رحمه اللهُ تعالى ( ١٠٩٧ ).
ووجوب السمع والطاعة لولاة الأمر بالمعروف أصل من أصول دين الإسلامم ومبانيه العظام ومجال دراسته وتعلمه وبحثه ومحل ذلك موجود في مباحث علم العقيدة لأنه من أصول الدين وهو أصل
مبنى على دلالة الكتاب العزيز والسنةالنبوية واجماع علماء الإسلام وهم أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح.

ثانيا :
حدوث هذه الابتلاءات والمصائب والأمراض والمجاعات والحروب والمشاكل الاقتصادية والأزمات المالية وتنوع الحوادث الاجتماعية المزعجة كارتفاع الأسعار والغلاء يحصل قضاءً وقدرا بأمر الله سبحانه وتعالى كما حدث في زمن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في سنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فعن انس بن مالك رضي الله عنه قال:( غلا السِّعرُ على عَهدِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالوا : يا رسولَ اللَّهِ ، سعِّر لنا ، قالَ إنَّ اللَّهَ هوَ المسعِّرُ ، القابِضُ ، الباسطُ ، الرَّزَّاقُ ، وإنِّي لأرجو أن ألقى ربِّي وليسَ أحدٌ منْكم يطلُبني بمظلِمةٍ في دمٍ ولا مالٍ)
أخرجه الامام أحمد رحمه اللهُ تعالى ( ١٤٠٥٧)و أبو داود رحمه اللهُ تعالى( ٣٤٥١ )والترمذي رحمه الله تعالى ( ١٣١٤ )وهذا لفظه وابن ماجه رحمه اللهُ تعالى (٢٢٠٠)، وصححه الامام الألباني رحمه اللهُ تعالى في صحيح الترمذي ( ١٣١٤).
فلا بد حينئذ من تعليم الناس توحيد الله سبحانه وتعالى بأنواعه والدعوة إليه ببصيرة نافذة وحجة دامغة قال الله عز وجل :{قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[ يوسف : ١٠٨ ].
؛ فمن ذلك العلم والعمل والدعوة والصبر على الأذى على توحيد الله بأفعاله وهو توحيد الربوبية وذلك بإثبات ان الله هو الخالق الرازق المحي المميت ونحو هذه الصفات الجليلة ثم توحيد الله سبحانه وتعالى بأفعال العباد وهو توحيد العبادة او توحيد الألوهية وهو صرف العبادات المستحقة شرعا لله عز وجل وتنزيه الله تعالى وتقدس عن الند والضد والشريك وهذا معنى لا إله إلا الله ثم توحيد الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته الجليلة فلا تعطيل وتحريف ولا تكييف لها وتمثيل ولا تشبيه إثبات للمعنى وتفويض للكيف على الوجه اللائق بربنا الله سبحانه وتعالى
ويتبع ذلك بتعلم سنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأصولها لأجل إتيان العبد بشرطي صحة العبادة وهما الإخلاص لوجه الله سبحانه وتعالى والصواب وهو اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا فيه معنى شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وان يكون فهمه ونهجه وهديه وفق لما عليه جرى عمل السلف الصالح وهديهم والحذر من سلوك نهج الجماعات السياسية المنحرفة و تتبع سبل الفرق الضالة المارقة فهم لا يرفعون رأساً في تعلم التوحيد والسنة والعقيدة الصحيحة والدعوة والعمل بذلك ثم إذا تبين لك بتوفيق الله لك وفضله ورحمته فسهل الله لك سلوك اسباب العلم النافع والعمل المتقبل ووجهت وجهك لله مخلصا له سبحانه وتعالى
ثم تيقنت و صدقت فعلمت ان جميع الأمور جرت وفق سنن الله الكونية فعليك بالرضا والتسليم والأخذ بالأسباب المشروعة لا الممنوعة ومنها رفع أكف الضراعة إلى الله وحده سبحانه وتعالى ودعاء الله بإلحاح بأن يرحمنا ويلطف بنا ويرخص الأسعار ويسهل امورنا وييسرها وان يفرج علينا وعلى عامة المسلمين .وفي الأثر عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى أنه قال :” إِنَّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا مَالِكُ الْمُلْكِ وَمَالِكُ الْمُلُوكِ قُلُوبُ الْمُلُوكِ بِيَدِي ، وَإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا أَطَاعُونِي حَوَّلْتُ قُلُوبَ مُلُوكِهِمْ عَلَيْهِمْ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ ، وَإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا عَصَوْنِي حَوَّلْتُ قُلُوبَ مُلُوكِهِمْ عَلَيْهِمْ بِالسَّخَطِ وَالنِّقْمَةِ فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ، إِذًا فَلَا تَشْغِلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالدُّعَاءِ عَلَى الْمُلُوكِ وَلَكِنِ اشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالذِّكْرِ وَالتَّفَرُّغِ إِلَى أَكْفِكُمْ مُلُوكَكَمْ “.بنحوه ومثله ذكره الامام ابن القيم رحمه اللهُ تعالى في سفره النفيس ” الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي “.

ثالثا :
الحذر والبعد عن مشابهة ملل الكفر و فرق الضلال واحزاب الظلام المنتسبة إلى دين الإسلام زورا وبهتانا وتشويها لجماله ومحاسنه وكماله
فمن ذلك اتباع عادات أهل الكفر والشرك في كيفية الإنكار العلني على ولاة أمورهم كالمظاهرات والإضرابات والاعتصامات وغيرها من شبهات فساد عقيدة أهل الكفر ومن ثم إلباسها لباس التقوى من قبل مفتي دعاة الضلال ورموز الانحلال لتوظيفها في خدمة توجهات حزبهم الضال فهذه الأعمال محرمة مجرّمة في دين الإسلام بسبب أصلها ومنشأها وبسبب من أحدثها ويتبع ذلك نتائجها السيئة وثمارها الخبيثة
وقد ذكر ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تاريخه ( ٤ / ٣٤١ ) كلاما لإبن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام وابطن الكفر المحض قوله :” ابدؤوا بالطعن في أمرائكم و أظهروا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر تستميلوا الناس، و ادعوهم إلى هذا الأمر”.
علما بأن أدلة الشرع الحنيف تؤكد على تحريم التشبه بمن ضل عن سبيل الله سبحانه وتعالى فقد ثبت في السنة من حديث ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم:( مَن تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ )أخرجه الامام أحمد رحمه اللهُ تعالى ( ٥١١٤ ) وأبو داود رحمه اللهُ تعالى ( ٤٠٣١ ) وصححه الامام الالباني رحمه اللهُ تعالى في صحيح أبي داود رحمه اللهُ تعالى ( ٤٠٣١ ).

رابعا :
ينقل الاتباع الذين تم استغفالهم وتضليلهم عن رموزهم الذين تم تعظيمهم وتقديسهم توجيهاتهم ويتم تطبيقها بحذافيرها ؛ فهم كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم بقوله :{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}[ التوبة : ٣١ ]. وفي سنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم جاء تفسيرا لهذه الآية الكريمة فقد :” روى الإمام أحمد ، والترمذي ، وابن جرير من طرق ، عن عدي بن حاتم – رضي الله عنه – أنه لما بلغته دعوة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فر إلى الشام ، وكان قد تنصر في الجاهلية ، فأسرت أخته وجماعة من قومه ، ثم من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أخته وأعطاها ، فرجعت إلى أخيها ، ورغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم عدي المدينة ، وكان رئيسا في قومه طيئ ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم ، فتحدث الناس بقدومه ، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة ، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } قال : فقلت : إنهم لم يعبدوهم . فقال : بلى ، إنهم حرموا عليهم الحلال ، وأحلوا لهم الحرام ، فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عدي ، ما تقول ؟ أيفرك أن يقال : الله أكبر ؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله ؟ ما يفرك ؟ أيفرك أن يقال : لا إله إلا الله ؟ فهل تعلم من إله إلا الله ؟ ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم ، وشهد شهادة الحق ، قال : فلقد رأيت وجهه استبشر ثم قال : إن اليهود مغضوب عليهم ، والنصارى ضالون .
وهكذا قال حذيفة بن اليمان ، وعبد الله بن عباس ، وغيرهما في تفسير : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا .
وقال السدي : استنصحوا الرجال ، وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم .
ولهذا قال تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا } أي : الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام ، وما حلله حل ، وما شرعه اتبع ، وما حكم به نفذ .
{ لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } أي : تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد ، لا إله إلا هو ، ولا رب سواه “.[ انتهى تفسير الامام ابن كثير رحمه الله تعالى لهذه الآية الكريمة].
وقال الله تعالى وتقدس:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا } [ النساء : ١٧١ ].
ووجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة فهو سبحانه وتعالى:
” ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء ، وهذا كثير في النصارى ، فإنهم تجاوزوا حد التصديق بعيسى ، حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها ، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه ، بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ، ممن زعم أنه على دينه ، فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه ، سواء كان حقا أو باطلا أو ضلالا أو رشادا ، أو صحيحا أو كذبا ; ولهذا قال تعالى : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون }[ التوبة : ٣١ ] .
وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم قال : زعم الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما]، عن عمر [رضي الله عنه]: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، فإنما أنا عبد الله ورسوله ) .
ثم رواه هو وعلي بن المديني ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري كذلك . وقال علي بن المديني : هذا حديث صحيح سنده وهكذا رواه البخاري ، عن الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، به . ولفظه : ( فإنما أنا عبد ، فقولوا : عبد الله ورسوله ).
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك [ رضي اللهُ عنه]: أن رجلا قال : محمد يا سيدنا وابن سيدنا ، وخيرنا وابن خيرنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم 🙁 يا أيها الناس ، عليكم بقولكم ، ولا يستهوينكم الشيطان ، أنا محمد بن عبد الله ، عبد الله ورسوله ، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل ). تفرد به من هذا الوجه “.[ انتهى تفسير الامام ابن كثير رحمه اللهُ تعالى لهذه الآية الكريمة].فصدق الاتباع متبوعيهم ونفذوا توجيهاتهم وتعليماتهم التي يعتبرونها مقدسة جهلا بغير وضلالا بغير هدى فاستحلوا دماء الأبرياء المعصومة وخرجوا على ولاة امورهم وخانوا العهد والميثاق ونقضوا البيعة الشرعية لهم بسبب ادعاء العصمة لهؤلاء الرموز الضالة .
وما علموا ان العصمة والثبات على الحق في اتباع كلام الله تعالى وتقدس وكلام رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وفق هدي السلف الصالح رضوان الله عليهم ؛ وما علموا أن البشر اهل ضلال وانحراف فكر وذنوب وأخطاء وسيئات كل ذلك وفق العدل والحكمة من ربهم عز وجل إلا عباد الله المخلصين الذين عصمهم الله رحمة منه وفضلا
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ: ( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله -تعالى، فيغفر لهم). رواه مسلم رحمه الله تعالى ( ٢٧٤٨ ).
وعن أبي أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ( لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقًا يذنبون، فيستغفرون، فيغفر لهم). رواه مسلم رحمه الله تعالى ( ٢٧٤٨ ) .
وانظر الحديث الصحيح الآخر
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أيُّنا لم يظلم نفسه؟ .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ليس كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: ١٣]) [متفق عليه].
فالصحابة الكرام رضي اللهُ عليهم يقولون : [ أيُّنا لم يظلم نفسه ؟].
وأصحاب الضلال يزعمون لرموزهم العصمة وعدم وجود الاخطاء قاتلهم أنى يؤفكون ؟.

خامسا :
يستفاد مما مضى ذكره سابقا في ثنايا رسالتنا هذه ومما سأذكره فيها لاحقا أن شاء الله عن أهمية الأمن والأمان والسكينة والاطمئنان والعيش بهدوء وراحة بال مع عفو وعافية كل ذلك بفضل الله تعالى ورحمته يقول الرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ).
رواه الصحابي الجليل عبيد الله بن محصن رضي الله عنه ؛ أخرجه الترمذي (٢٣٤٦) واللفظ له، وابن ماجه (٤١٤١)و البخاري رحمه الله تعالى في الأدب المفرد ( ٣٠٠ ) وصححه الإمام الألباني رحمه الله في صحيح سنن الترمذي رحمه الله تعالى ( ٢٣٤٦ ) وفي السلسلة الصحيحة ( ٢٣١٨ ).
ومن الخصال الحسنة والصفات الطيبة والأخلاق العالية شكر من جعله سببا في ايجاد هذه الانعام الكثيرة والخيرات الوفيرة ورغد العيش وهم ولاة الأمر الذين طاعتهم شرعا من طاعة الله سبحانه وتعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}[النساء : ٥٩ ].ومن طاعة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وفي الصحيحين من أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: ( من أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني ).
وعلى العمل بهذا الأصل إجماع المسلمين المبني على نصوص الوحيين وفق منهج السلف الصالح فحقهم بالخير ان يذكروا فيشكروا ؛ فقد أخرج أبو داود رحمه الله تعالى في سننه ( ٤٨١١ ) والامام أحمد رحمه اللهُ تعالى في مسنده ( ٧٩٣٩ )والترمذي رحمه اللهُ تعالى في سننه ( ١٩٥٤ ) .وصححه الامام الألباني رحمه اللهُ تعالى في صحيح أبي داود رحمه الله تعالى ( ٤٨١١ )؛ من حديث الصحابي الجليل أبي هريرة رضي اللهُ عنه ؛ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( لا يَشْكُرُ اللهَ مَن لا يَشْكُرُ الناسَ ).
واما الحديث عن ولاة أمرنا ال سعود فعنهم 🙁 الحديث ذو شجون )[ كتاب مجمع الأمثال لأبي الفضل الميداني رحمه اللهُ تعالى ( ١٠٤٤ )].فلهم الفضل بعد فضل الله تعالى ورحمته في تعليمنا التوحيد والسنة ولما لهم من أيادي بيضاء في إيصال دين الإسلام الصحيح إلى جميع أرجاء العالم مع مانعيشه من خيرات وافرة وأنعام متكاثرة وأمن وأمان ولهم في أعناقنا بيعة شرعية عظيمة فلهم من شخصي الضعيف الدعاء بظهر الغيب بالصلاح والبركة والتوفيق والسداد وأن يرزقهم البطانة الصالحة الناصحة وان يكفيهم شر الأشرار وكيد الفجار وفسقة الجن والأنفس وأن ينصر الله فيهم دينه ويعلي بهم كلمته ؛ وان يثبتنا واياكم على دين الاسلام وان يحسن لنا ولكم الخاتمة وان يرزقنا واياكم العلم النافع والعمل المتقبل والرزق الطيب المبارك فيه وان يجعل نزلنا واياكم في الفردوس الأعلى من الجنة ان ربي كريم رحيم ودود سميع مجيب الدعاء والله اعلى واعلم ؛ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيد ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيد.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
كتبه واملاه الفقير إلى عفو الله مولاه : غازي بن عوض بن حاتم العرماني .

نور العلم وبصيرة المنهج